السيد محمد حسين الطهراني

163

معرفة الإمام

وحفظوا أقواله ودوّنوها ، واعتبروها الفصل بين الحقّ والباطل ، وبين الأصيل والدخيل تماماً كأقوال جدّه الرسول صلّى الله عليه وآله . وكان من نتيجة هذه الفترة ومرافقتها لتلك الحركات الفكريّة أن عرف المذهب صافياً على حقيقته في العقائد والتفسير ، والأخلاق والفقه وأصوله ، وأخذ التشيّع معناه ومجراه في إطاره العلميّ اصولًا وفروعاً . وقد كان المذهب في أشدّ الحاجة إلى هذا المتنفّس والمنطلق الذي صادف وجود الإمام ، إذ لو أمكنت الفرصة ولم يوجد الإمام ، أو وجد ولم تكن الفرصة ممكنة ، أو تحقّق الأمران ولم تكن تلك الحركات الفكريّة ، لم يكن لنا هذا التراث الضخم في شتّى العلوم الإسلاميّة ، خصوصاً الفقه ، بل لم يكن هذا التقارب بين الشيعة والسنّة في أصول الدين ومبادئ التشريع . فالفضل في استقلال المذهب وتركيزه كما هو الآن يعود للإمام الصادق بعد أن أسعفته الظروف ، ومهّدت له السبيل . ومن هنا اطلق على الشيعة لفظ الجعفريّين ، وعلى فقههم الفقه الجعفريّ . نحن نؤمن وندين بأنّ كلّ إمام من الأئمّة الاثني عشر عنده علم الكتاب وسنّة الرسول بكاملهما . وأنّه أعلم أهل زمانه على الإطلاق . ولكن العلم ليس بالسبب الكافي لبثّه ونشره ما لم تواكبه عوامل أخرى . وقد ساعد الإمامَ الصادقَ على بثّ علومه ومعارفه العامل الحضاريّ من جهة ، وفترة انتقال الحكم من الأمويّين إلى العبّاسيّين من جهة ثانية ، ووجود رواة ثقات كثيرين يؤمنون بالصادق ويحسنون الأخذ عنه من جهة ثالثة ، حتى ذهب بعض علماء الإماميّة إلى القول بتوثيق الأربعة آلاف راوٍ بدون استثناء . وقد يكون هناك عوامل أخرى خفيت علينا إلى جانب هذه العوامل التي استبانت لنا .